مقالات

ماذا تقول رسالة الرياض عن مستقبل القضية الجنوبية؟


البعث نيوز ـ بقلم : صفوان سلطان

ليست كل الرسائل السياسية بحاجة إلى خطب مطوّلة أو بيانات صاخبة. أحيانًا، تكفي عبارات قليلة، محسوبة بدقة، لتكشف تحوّلًا عميقًا في طريقة التفكير وإدارة الملفات المعقدة. هذا ما يمكن قوله بوضوح عند قراءة التغريدات التي نشرها الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية حول التطورات الأخيرة المرتبطة بالقضية الجنوبية.

فبعيدًا عن ظاهر الترحيب، تحمل هذه الرسائل مضمونًا سياسيًا لافتًا، يعكس رؤية متقدمة لكيفية التعامل مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اليمني. والأهم أنها تكشف انتقالًا واضحًا من إدارة الأزمة إلى محاولة صناعة حل مستدام، يقوم على الشراكة لا على فرض الوقائع.

أول ما يلفت الانتباه هو توصيف قرار حل المجلس الانتقالي بأنه قرار اتخذته “شخصيات وقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي”، وهو توصيف ذكي يتجنب الصدام، لكنه في الوقت ذاته يعيد ترتيب المفاهيم. فالقضية الجنوبية، وفق هذا المنطق، لا تُدار عبر كيان واحد ولا تُختزل في تنظيم بعينه، بل هي شأن عام يخص أبناء الجنوب كافة، بتنوعهم واختلافاتهم.

هذا التفصيل اللغوي ليس عابرًا. إنه رسالة واضحة بأن التمثيل السياسي لا يُمنح بقوة السلاح، ولا يُصادَر باسم القضية، بل يُبنى عبر التوافق والقبول العام. وهي مقاربة تعكس احترامًا لإرادة الجنوبيين، وفي الوقت نفسه تضع حدًا لمحاولات الاحتكار السياسي التي أرهقت القضية أكثر مما خدمتها.

الإعلان عن تشكيل لجنة تحضيرية بالتشاور مع شخصيات جنوبية من مختلف المحافظات، دون إقصاء أو تمييز، يؤكد أن المملكة لا تبحث عن بديل جاهز بقدر ما تسعى إلى إيجاد إطار جامع. فهنا لا يُعاد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، بل يُفتح مسار سياسي يعترف بتعدد الأصوات، ويؤسس لحوار حقيقي يعكس الواقع الجنوبي بكافة اطيافه و توجهاته كما هو، لا كما يريد له البعض أن يكون.

الأهم أن هذا المسار لا يُطرح بمعزل عن الحل الشامل في اليمن. فربط مخرجات مؤتمر الحوار الحنوبي بالرياض بطاولة الحوار السياسي العام يحمل دلالة جوهرية: الجنوب جزء من الحل الوطني، وليس ملفًا منفصلًا أو ورقة ضغط. وهذه نقطة مفصلية تعيد القضية الجنوبية إلى سياقها السياسي الصحيح، بعيدًا عن منطق القطيعة أو القفز على المرجعيات.

في العمق، تعكس هذه الرسائل ثقة واضحة في قدرة المملكة على رعاية مسارات معقدة، وثقة أكبر في أن الاستقرار لا يُبنى عبر إدارة الانقسامات، بل عبر معالجتها من جذورها. وهي مقاربة تتسق مع التحولات الأوسع في السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث بات التركيز منصبًا على إنتاج حلول طويلة الأمد، بدل الدوران في حلقة الصراعات المفتوحة.

ما تقدمه الرياض اليوم ليس مجرد رعاية لمؤتمر أو مبادرة ظرفية، بل نموذج في إدارة القضايا الشائكة بعقل الدولة، وبحسٍ عالٍ بالمسؤولية الإقليمية. وفي لحظة يمنية وإقليمية دقيقة، تبدو هذه المقاربة رسالة طمأنة بأن هناك من يعمل على تحويل النزاعات إلى مسارات سياسية قابلة للحياة.

وفي الختام، فإن هذه الرسائل لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها موقفًا سعوديًا فحسب، بل كدعوة صريحة لكل القوى والشخصيات الجنوبية لالتقاط لحظة سياسية نادرة، والانخراط في مسار حل جامع، لا يُقصي أحدًا ولا يمنح شرعية لمنطق الغلبة. فالقضية الجنوبية لا يمكن أن تُدار بالبندقية، ولا أن تُصان بالنار التي لم تحرق عبر السنوات إلا أبناء الجنوب أنفسهم في مختلف محافظاتهم. وحده التوافق، القائم على الحكمة والشراكة واحترام التنوع، قادر على صياغة حل عادل يخطه الجنوبيون بإرادتهم، ويضع حدًا لدورة الصراع، ويفتح أفقًا سياسيًا جديدًا يكون فيه الجنوب شريكًا فاعلًا في مستقبل اليمن، لا ساحة صراع متجددة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!