مقالات

الدولة العميقة أزمات الحكم المزمنة في اليمن..

البعث نيوز ـ بقلم

امين احمد الحاج

في عالم السياسة، هناك دولتان: واحدة نقرأ عنها في الأخبار، نراها في الصور، ننتخب مؤسساتها ونراقب قراراتها، وأخرى لا تظهر للعلن، لا تخضع للمساءلة، لكنها تحكم فعليًا كل مفصل من مفاصل الدولة. إنها الدولة العميقة، الكيان الموازي الذي لا يُنتخب لكنه يعيّن، لا يُحاسب لكنه يُقرر، لا يظهر لكنه حاضر في كل شيء.

الدولة العميقة ليست خرافة، إنها واقع مرير يصنع كل أزمات الحكم المزمنة، وهي السبب الرئيسي وراء انهيار كل المشاريع الوطنية، وتكريس الرداءة بدل الكفاءة. هي الوجه الخفي للسلطة، والعدو الصامت لأي محاولة تغيير وطني حقيقي.

عندما تشعر الدولة العميقة بأن بساط الحكم سيسحب من تحت قبضتها، هناك تكون مستعدة أن تحرق كل الوطن وأن تتحالف مع الشيطان في سبيل أن تبقى ممسكة على مفاصل الحكم. وتكون مستعد للتضحية بكل شيء من أجل أن تركب بنفسها موجة أي تغير، فهي تتلون كالحرباء وتستطيع أن تسوق نفسها والتكيف مع كل الأوضاع حتى تتمكن من العودة إلى موقعها تقود النظام القادم أيًا كان: عسكريًا، مدنيًا، دينيًا، أو حتى ثوريًا.

لا يهم الدولة العميقة لا تنشأ من فراغ، بل تتكون في بيئات معينة، أبرزها غياب الديمقراطية أو ضعفها، حيث تصبح الأجهزة الأمنية والعسكرية بديلاً للشرعية الشعبية. والمرحلة ما بعد الاستعمار، إذ تعيد النخب التابعة للاستعمار القديم تشكيل نفسها كدولة ظل داخل الدولة المستقلة.

تمتد أذرع الأخطبوط في كافة الاتجاهات: الاستخبارات تراقب، توجه، وتُصفّي. الجيش يحسم حين تخرج الأمور عن السيطرة، أو حين تلوح رياح التغيير. القضاء يُشرعن، يعطل القضايا، ويمنح الغطاء القانوني للفساد. الإعلام يصنع الروايات، يشوه المعارضين، ويوجه الرأي العام. رجال المال والأعمال يموّلون، يشترون الذمم، ويسيطرون على مفاتيح الاقتصاد.

الدولة العميقة تعمل على الاغتيالات والتصفيات، والابتزاز بالملفات، وشراء الولاءات، والتخريب والإفساد، ونشر التضليل الإعلامي. وهي لا تخشى إلا صوت الشعب الحقيقي، ولهذا تقاتل الديمقراطية بكل الوسائل.

الحل الوحيد هو تفكيك الدولة العميقة، وإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس ديمقراطية وشفافة، وتأمين مسارات سياسية لتحقيق خيارات الناس السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!