محلي

استقرار العملة: بين التدخل الدولي واستعادة هيبة الدولة


بقلم/ صفوان سلطان

شهد الريال اليمني خلال الأسابيع الماضية تحسناً غير مسبوق في قيمته أمام العملات الأجنبية، وهو تحسن فاجأ الشارع اليمني وأثار جدلاً واسعاً حول أسبابه ودلالاته. فبينما تُرجِع بعض القراءات هذا التحسن إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي في عدن، يرى آخرون أن التدخل الدولي – خصوصاً من الخزانة الأمريكية – كان العامل الأكثر تأثيراً عبر الضغط على البنوك وشبكات الصرافة لوقف المضاربة وتجفيف قنوات وصول العملة الصعبة إلى جماعة الحوثي.

في الحقيقة، ما جرى ليس نتيجة عامل منفرد، بل هو ثمرة توافق دولي وظرفي تزامن مع خطوات محلية لتنظيم السوق. لقد مثّل الضغط الخارجي بمثابة صدمة إيجابية أوقفت نزيف الريال، بينما أسهمت قرارات البنك المركزي – كتوحيد شبكة التحويلات وإلزام البنوك بنقل عملياتها إلى عدن وإطلاق مزادات العملة – في توفير غطاء مؤسسي لهذا التوجه. غير أن السؤال الأهم يظل: هل يمكن لهذا الاستقرار أن يدوم؟

حدود التحسن الحالي

الواقع يؤكد أن التحسن الأخير يظل هشّاً وقابلاً للانتكاس إذا لم تُعالج جذور الأزمة. فما زالت إيرادات الدولة مشتتة بين مؤسسات ومنافذ لا تلتزم بالتوريد إلى البنك المركزي، وما زالت الجبايات غير القانونية تنخر في جسد المالية العامة. وبدلاً من أن يُستخدم النقد الأجنبي لتعزيز الاحتياطي وتمويل الواردات الاستراتيجية، يظل البنك المركزي مضطراً لبيعه في السوق لتغطية التزامات داخلية كان الأجدى أن تُغطى بالريال من الإيراد المحلي.

الاستدامة رهينة استعادة الدولة

إن استدامة استقرار العملة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر عودة مؤسسات الدولة إلى قنواتها الرسمية وتوريد كافة الإيرادات إلى البنك المركزي. لكن الأمر لا يتوقف عند القرارات المالية والإدارية فحسب، بل يحتاج إلى قوة القانون. وعلى الحكومة أن تُسخِّر أجهزتها الأمنية والعسكرية لفرض الانضباط المالي، وردع كل من يحاول العبث بالموارد أو الالتفاف على النظام النقدي.

من قصير المدى إلى طويل المدى
• على المدى القصير، يمكن للبنك المركزي الاستفادة من الدعم الدولي والإجراءات الرقابية لضبط السوق ومنع المضاربات.
• على المدى المتوسط، يصبح لزاماً إعادة بناء منظومة الإيرادات العامة وتوحيد الموازنة وإغلاق قنوات التسرب.
• أما على المدى الطويل، فلا بد من تعزيز استقلالية البنك المركزي، وبناء احتياطيات نقدية مستدامة، وربط السياسة النقدية بخطط تنموية حقيقية تضمن خلق الثروة وفرص العمل.

كلمة أخيرة

ما حدث مؤخرًا هو رسالة واضحة: اليمن ليس عاجزًا عن استعادة عملته إذا توافرت الإرادة الدولية وترافقت معها الجدية المحلية. لكن تحويل هذه الرسالة إلى واقع دائم يتطلب من الدولة أن تُثبت وجودها، وأن تُعيد هيبتها عبر القانون والمؤسسات. ذلك وحده ما سيجعل المواطن اليمني يشعر أن استقرار العملة لم يكن مجرد حدث عابر، بل بداية لمسار اقتصادي جديد و اعادة بناء الدولة من اول و جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!