من «أنا جاوع» إلى مأرب.. أبو مرتاح الصايدي يكشف تجربته داخل مليشيا الحوثي ويعلن القطيعة معها

البعث نيوز ـ تقرير خاص
تحولت قصة الناشط وصانع المحتوى المعروف باسم أبو مرتاح الصايدي من مقاطع ساخرة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عبارة «أنا جاوع»، إلى واحدة من القصص التي أثارت جدلًا واسعًا حول أوضاع المقاتلين والجرحى في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي،
بعدما أعلن الرجل خروجه من مناطق المليشيا ووصوله إلى محافظة مأرب في 29 أغسطس 2026، وبدأ يتحدث علنًا عن تجربته السابقة داخل صفوفها وما يقول إنه شاهده وعرفه خلال سنوات ارتباطه بها.
وبحسب ما رواه الصايدي في ظهوره الأخير، فإن علاقته بالحوثيين لم تقتصر على التأييد أو النشاط الإعلامي، وإنما شارك في الحشد والتعبئة للفعاليات التابعة للمليشيا، كما تحدث عن مشاركته في جمع الأموال والجبايات المرتبطة ببعض أنشطتها، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز المنتقدين لواقع المقاتلين والجرحى في مناطق سيطرتها.
من مقاتل وجريح إلى صاحب عبارة «أنا جاوع»
يقدم الصايدي نفسه باعتباره شخصًا خاض تجربة ميدانية مع الحوثيين، وأصيب خلال مشاركته في القتال، فيما تشير روايته إلى مقتل أحد أشقائه في صفوفالمليشيا.
لكن التحول الأبرز في مسيرته جاء مع ظهوره في تسجيلات مصورة وهو يتحدث عن ظروفه المعيشية الصعبة، مرددًا عبارة «أنا جاوع»، التي تحولت خلال فترة قصيرة إلى عبارة واسعة التداول على منصات التواصل الاجتماعي اليمنية، واستخدمها ناشطون للتعبير عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية في مناطق سيطرة الحوثيين.
ولم يتعامل الصايدي مع العبارة باعتبارها مادة للترفيه فقط، بل ربطها بشكل مباشر بوضعه الشخصي، قائلًا إنه أصبح بلا مصدر دخل كافٍ رغم مشاركته السابقة مع المليشيا وإصابته، وظهر في أحد المقاطع وهو يحتج على ظروفه المعيشية ويمزق ملابسه، وفق ما ورد في روايات إعلامية متداولة.
الرد الذي أشعل القضية
تصاعدت قضية الصايدي بعدما دخلت قيادات حوثية على خط الجدل الدائر حوله، إذ نُسب إلى محمد مفتاح، القائم بأعمال رئيس حكومة الحوثيين، ردٌّ على شكواه تضمن دعوته إلى العمل مقابل الحصول على الطعام.
وأدى ذلك الرد إلى اتساع دائرة التفاعل مع قصة الصايدي، خصوصًا أن الرجل كان يقدم نفسه باعتباره من الجرحى الذين قاتلوا في صفوف الجماعة، معتبرًا أن ما تعرض له يعكس، من وجهة نظره، تخلي الجماعة عن عدد من مقاتليها وجرحاها بعد انتهاء الحاجة إليهم.
ومن هنا بدأت عبارة «أنا جاوع» تأخذ أبعادًا سياسية واجتماعية تتجاوز قصة صاحبها، لتتحول إلى عنوان لجدل أوسع حول الأوضاع المعيشية للمقاتلين والجرحى والموالين للحوثيين.
الانتقاد العلني ينتهي بالاعتقال
مع ارتفاع سقف انتقادات الصايدي، تحدثت مصادر إعلامية خلال يوليو 2026 عن اعتقاله في منطقة ضبوة جنوب صنعاء، على خلفية ظهوره وانتقاده للجماعة وتناوله أوضاع الجرحى والمقاتلين.
وبحسب روايته، لم يتوقف الأمر عند الاعتقال، إذ تحدث لاحقًا عن تعرضه للملاحقة والتهديد، واتهم جهات مرتبطة بالجماعة بمحاولة التخلص منه، وقال إنه تعرض لثلاث محاولات اغتيال.
وهذه النقطة تحديدًا تبقى ضمن رواية الصايدي الشخصية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها واقعة مثبتة بصورة نهائية ما لم تدعمها أدلة أو مصادر مستقلة.
من «أنا جاوع» إلى إعلان الانشقاق
مع مرور الوقت، انتقلت تصريحات الصايدي من الشكوى من الظروف المعيشية إلى انتقاد أوسع لبنية الجماعة وطريقة تعاملها مع من خدموا في صفوفها.
وبحسب ما قاله، فإن قرار مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين جاء نتيجة تراكم مجموعة من العوامل، بينها تدهور وضعه المعيشي، وشعوره بإهمال الجرحى والمقاتلين، والضغوط التي قال إنه تعرض لها عقب انتقاداته، إلى جانب ما وصفه بالملاحقة والتهديد.
وفي المقابل، يقر الصايدي نفسه بأنه كان جزءًا من منظومة الحشد والتعبئة التابعة للجماعة، وأنه شارك في استقطاب أشخاص للانضمام إليها وفي جمع الأموال والجبايات لبعض فعالياتها، معربًا عن ندمه على ما قام به، وقائلًا إنه يشعر بالألم لأنه ساهم في خداع واستقطاب يمنيين إلى صفوف الحوثيين.
وهذا الاعتراف يمنح قصته بعدًا مختلفًا؛ فهي ليست فقط رواية شخص يقول إنه تضرر من الجماعة، وإنما أيضًا شهادة شخص كان جزءًا من نشاطها ثم أعلن تراجعه عنه وانتقاده لما كان يشارك فيه.
الوصول إلى مأرب.. محطة فاصلة
في 29 أغسطس 2026، أعلن أبو مرتاح الصايدي وصوله إلى محافظة مأرب بعد خروجه من مناطق سيطرة الحوثيين.
وقال في ظهوره بعد الوصول إنه فوجئ، بحسب روايته، بحسن الاستقبال والحماية التي حظي بها هو وأسرته، متحدثًا عن مأرب باعتبارها مكانًا كان الحوثيون، وفق قوله، يقدمونه لأتباعهم بصورة مختلفة ومخيفة.
ويمثل وصوله إلى مأرب نقطة تحول مهمة في قصته؛ فالرجل الذي كان يظهر من داخل مناطق سيطرة الحوثيين محتجًا على الجوع والظروف المعيشية، أصبح خارج نطاق سيطرة المليشيا، ويعلن بصورة علنية القطيعة معها، ويفتح الحديث عن تجربته السابقة.
روايات أخطر بعد الخروج
الأكثر حساسية في ظهور الصايدي الأخير لم يكن حديثه عن الجوع أو ظروفه الشخصية، وإنما ما بدأ يكشفه عن طبيعة عمله السابق داخل المليشيا.
فقد تحدث عن أدوار أمنية قال إنه اضطلع بها، وتناول ما وصفه بوجود سجون سرية وانتهاكات، كما قدم روايات تتعلق باحتجاز نساء، وتحدث عن معلومات قال إنه يمتلكها بحكم موقعه السابق.
ومن بين أخطر ما ورد في روايته قوله إنه كان مسؤولًا عن السجن المركزي في صنعاء، وربطه ذلك بمعلومات عن عمليات احتجاز وانتهاكات داخل منظومة السجون.
. وتاتي أهمية هذه التصريحات في أن صاحبها يقدم نفسه باعتباره شخصًا كان قريبًا من بعض دوائر الجماعة، الأمر الذي يجعل ما يقوله محل اهتمام إعلامي وحقوقي يستوجب التحقق والتقصي.
شهادة من داخل المنظومة
وتكمن أهمية قصة أبو مرتاح الصايدي في أنها لا تأتي من مراقب بعيد عن المشهد، وإنما من شخص يقول إنه شارك في أنشطة الحوثيين، وحشد للفعاليات، وجمع أموال، وخاض القتال وأصيب خلاله، ثم انتقل إلى مرحلة انتقاد للمليشيا والاحتجاج على أوضاعه، وانتهى به الأمر إلى مغادرة مناطق سيطرتها.
وتكشف قصته، بصرف النظر عن مدى صحة كل التفاصيل التي أوردها، عن تحول لافت في خطاب بعض الأشخاص الذين كانوا جزءًا من منظومة الحوثيين؛ إذ يبدأ التحول غالبًا من شكوى معيشية أو خلاف داخلي، قبل أن يتطور إلى مراجعة سياسية وفكرية للموقف السابق.
وفي حالة الصايدي، بدأت القصة بعبارة بسيطة: «أنا جاوع»، لكنها انتهت بإعلان الخروج من مناطق سيطرة الحوثيين، والحديث عن تجربة داخلية يقول إنها تضمنت الحشد والقتال والجبايات والاعتقال والملاحقة، وصولًا إلى روايات أكثر خطورة تتعلق بالسجون والانتهاكات.



