الجبايات الحوثية.. اقتصاد حرب يخدم أجندات إيران ويضاعف معاناة اليمنيين

كشفت دراسة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية بعنوان “اقتصاد الحرب: المنافذ الجمركية في مناطق سيطرة الحوثيين” عن توسع غير مسبوق لشبكة الجبايات الداخلية التي أنشأتها جماعة الحوثي، في خطوة يرى مراقبون أنها لم تعد مجرد وسيلة لتمويل العمليات العسكرية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تخدم مشاريع النفوذ الإقليمي وتُبقي اليمن غارقاً في دوامة الصراع والاستنزاف.
وبحسب الدراسة، بدأت هذه الشبكة كنقاط تفتيش وجباية محدودة خلال السنوات الأولى للحرب، قبل أن تتحول تدريجياً إلى بنية واسعة تضم أكثر من 220 نقطة جمركية داخلية موزعة على نحو عشر محافظات بحلول عام 2024، في مشهد يعكس انتقالها من إجراءات ميدانية مؤقتة إلى نظام شبه مؤسسي تديره مراكز قرار مرتبطة بصنعاء.
لكن مراقبين يرون أن المسألة تتجاوز الأبعاد المالية المحلية، إذ يعتبرون أن الحوثيين باتوا يتحركون ضمن مشروع إقليمي أوسع، يُنظر إليه على أنه جزء من شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة، حيث تتحول الجماعة تدريجياً من فاعل محلي إلى أداة تنفذ حسابات وأولويات تتجاوز حدود اليمن ومصالح شعبه.
ويشير منتقدون للجماعة إلى أن اليمن، الذي يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، لم يعد أولوية حقيقية لدى الحوثيين، في ظل استمرار استنزاف الموارد وتوجيه العائدات نحو مجهودات عسكرية وصراعات تتسق مع أجندات إقليمية أكثر من ارتباطها بحاجات اليمنيين اليومية.
ووفقاً للدراسة، تدر هذه المنافذ إيرادات سنوية تتراوح بين 90 و120 مليار ريال يمني، يذهب معظمها لدعم الأنشطة العسكرية وصناديق الجبهات، في مقابل تخصيص محدود للغاية للخدمات الأساسية، وهو ما أدى إلى ترسيخ ما بات يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، وتحويل الصراع إلى منظومة مالية مستدامة تدفع باتجاه إطالته لا إنهائه.
كما أظهرت الدراسة أن هذه السياسة انعكست مباشرة على حياة المواطنين، إذ ارتفعت تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 25 و30 بالمئة في المتوسط، وتجاوزت 200 بالمئة في بعض المسارات، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسب تراوحت بين 10 و15 بالمئة، الأمر الذي عمّق من الأزمة المعيشية في بلد يعيش فيه أكثر من 70 بالمئة من السكان تحت خط الفقر.
ويرى محللون أن ما يحدث في اليمن يعيد إلى الأذهان تجارب أخرى في المنطقة، حيث وجدت جماعات مرتبطة بإيران نفسها في قلب صراعات طويلة ومكلفة، قبل أن تكتشف لاحقاً أنها تحملت أثماناً باهظة بينما بقيت حسابات النفوذ الإقليمي هي الأولوية.
ويقول منتقدون إن الجماعات المرتبطة بالمحور الإيراني كثيراً ما تُستخدم لتعزيز النفوذ وتحقيق مكاسب استراتيجية، لكنها تجد نفسها في لحظات الأزمات الكبرى وحيدة أمام التحديات والخسائر. ويشيرون إلى أن تجارب المنطقة خلال السنوات الماضية دفعت كثيرين للتساؤل عمّا إذا كانت هذه الأذرع تخدم مصالح شعوبها فعلاً، أم أنها تتحرك وفق حسابات تتجاوز حدود أوطانها.
كما أوضحت الدراسة أن نقاط الجباية الحوثية عطلت وصول المساعدات الإنسانية، وتسببت في تأخير القوافل بين 48 و72 ساعة، مع فرض رسوم إضافية على الشاحنات، ما رفع كلفة إيصال الغذاء والدواء وزاد من معاناة الفئات الأكثر ضعفاً.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذه المنظومة لا يهدد فقط الاقتصاد اليمني، بل يعمق الانقسام داخل البلاد ويحوّل حركة التجارة إلى ما يشبه حدوداً داخلية فعلية، بما يضعف فرص التعافي الاقتصادي وإعادة بناء الدولة مستقبلاً.
وتخلص الدراسة إلى أن إنهاء هذه الظاهرة يتطلب تفكيك منظومة الجبايات غير القانونية وإعادة توحيد النظام الجمركي تحت إدارة الدولة، غير أن مراقبين يرون أن أي معالجة حقيقية ستظل مرتبطة أيضاً بإخراج اليمن من دائرة الحسابات الإقليمية، وإعادة الاعتبار لأولويات الشعب اليمني الذي يدفع منذ سنوات أثمان حرب وصراعات تتجاوز حدوده.
المصدر: وكالات



