مقالات

الخوخة خارج التغطية.. حين تتكرر الكارثة بينما الرد مرة واحدة

البعث نيوز – بقلم / عبدالرحمن رامي

في «الخوخة»، جنوب الحديدة، لا يبدأ الخوف مع أول قطرة مطر، بل مع أول دقيقة صمت بعدها، السماء هنا لا تُفاجئ أحداً، لكن الذي يُفاجئ الناس كل مرة أن لا أحد يأتي.
على هذا الشريط الساحلي، حيث تتكئ المدينة على كتف «النزوح»، تتكدس خيام هشة على أطراف وديان موسمية، وتعيش آلاف الأسر بين احتمالين واضحين:
«النجاة المؤقتة .. أو الغرق المؤجل!».
الحكومات المركزية التي همشت الحديدة، بحسب اتهامات محلية، تركت خلفها سُلطات محلية تدفن رأسها تارة في الرمال وتارةً أخرى تغطسه في البحر، في الأولى تبحث عن زكاة الأرض وفي الثانية تكتشف أنواع الأسماك القابلة لرفع ضرائب الصيد، لكنها لازالت لم تعترف بنفسها كسلطة محلية بينما تُطالب اليمن جميعها أن تعترف بها كشريك فاعل في النظام الحاكم.
تعيش في العصر الطباشيري لافي عصرر الذكاء الإصطناعي، في زمن نجدة الجار بعصا، إن استخدمتها، لا في زمن الإغاثة بالأدوية والمُعدات الحديثة ومُستلزمات الإيواء.
«مرت كوارث صغيرة ولم تكن في المشهد، وعادت كوارث أكبر ولكنها هذه المرة لم تعد في الوجود!».

هنا، لا تُقاس الكارثة بحجم الماء، بل بحجم الغياب، السيول الجارفة تفصل مابين الضّحية والمسؤول، كل في ضفته، الأول يُنادي بهلع، والآخر لايملك مقومات إنقاذه، ليس عجزاً، إنما انعدام مسؤولية على مايبدو، في محافظة تعج بالموارد والايرادات، لكنها تفتقر للإدارة المهنية والكفاءات.

خسائر الجنوب المُحرر
أرقام إقتصادية تُكتب على الماء

في المديريات الساحلية المُحررة جنوب الحديدة «الخوخة، حيس، التحيتا» تكشف المعلومات الميدانية أن موسم الأمطار 2025 خلّف أكثر من 40 حالة وفاة مُباشرة بسبب السيول والصّواعق، ونحو 120 إصابة، وتضرر ما يزيد عن 1800 أسرة بين فقدان كلي وجزئي للمأوى.
وفي 2026، خلال أسابيع فقط، سُجل ما لا يقل عن 17 حالة وفاة وأكثر من 1300 أسرة مُتضررة، مُعظمهم من «النازحين» بسبب الحرب.
مكتب الصحة العامة والسكان في الحديدة يُؤكد أن كوارث السيول في العام الحالي 2026 أكثر بكثير من سابقتها في 2025، والأضرار المادية والبشرية صادمة، لكن الصدمة الأكبر أن هذه الأرقام لم تُغيّر شيئاً في مستوى الإستجابة.

ثروة البح وفقر البر
الأسماك تنزف أموالاً لا دماء

في مُقابل هذا النزيف، تقف مُفارقة صارخة، تُشير تقديرات إقتصادية محلية في مراكز الإنزال السمكي بسواحل «الخوخة» إلى أن قيمة النشاط اليومي للصيد، في مواسم الذروة، تصل إلى ما بين 8 إلى 12 مليون ريال يومياً، ما يضع العائد السنوي التقديري للقطاع في حدود 2.5 إلى 4 مليارات ريال، دون احتساب سلاسل التبريد والنقل والتجارة المُرتبطة به.
وبحسب معلومات ميدانية مُتقاطعة، فإن جزءاً كبيراً من هذه الإيرادات لا يمُر عبر القنوات الإدارية الرسمية، بل يخضع لأنماط تحصيل تفرضها مراكز نفوذ على الأرض، ما يجعل الأرقام الفعلية أعلى من المُعلن، وأبعد عن أي رقابة مالية أو توجيه تنموي.
مليارات تتحرك من البحر في «الخوخة» وحدها، كان يُمكن أن تُؤسس بنية طوارئ مُتكاملة، أو على الأقل تخلق حدّاً أدنى من الجاهزية لمواسم السيول والأوبئة، لكن الواقع يقول إنها محافظة إسم على ورق، تسمع عن المليارات في موانئ الصيد، موظفي الجبايات، نقاط التحصيل، لكنك لا تراها في حياة الناس:
«لا مراكز إيواء، لا مخازن طوارئ، لا أدوات إنقاذ، ولا حتى حد أدنى من الجاهزية حين تصل الكارثة».

الصحة والترصد الوبائي
جهاز يرى لكنه في الحقيقة لايتحرك

على مستوى القطاع الصحي، تبدو الصورة أكثر هشاشة، الصحة والترصد، على إفتراض تدخلات مابعد كلورة المياه، التخطيط والايواء، الوحدات التنفيذية، المشروع به عدة قطاعات، هكذا تُكتب العناوين، لكن في الميدان واقع صادم أن دعم هذا الترصد ضعيف للغاية، وتأهيل لمواجهة «الملاريا والكوليرا» محدود، الطوارئ ليس لديهم تدخلات كافية بالمُعدات، تدريب الكادر في المحافظة لايوجد بالشكل المطلوب، ولايوجد تدخل ملموس وحقيقي.

داخل مكتب الصحة العامة والسكان، تختصر التفاصيل المشهد بأكمله، في العام الماضي كانت هناك خيمة «الكوليرا» ترمي بها الرياح حيث تشاء، جاءت هذا العام أوبئة أكثر وأمراض، لكن تلك الخيمة بالأقل، إقتلعتها السلطة المحلية من مكانها ورمت بها في النسيان ولم تقتلعها الرياح كالعادة.
أحد العاملين يُعلق الآن على المشهد:
«لقد تخلصت السلطة المحلية من الكولبرا تماماً ليس في أجساد المواطنين، إنما في صراخ الضحايا في كل إصابة وصرخة وموت جديد!»، يصف بسُخرية.

في ظل ذلك، تقف الصحة العامة وحيدة في مواجهة الأوبئة الفتاكة والأمراض الناتجة عن التغيرات المناخية والسيول.

إدارة الأزمات
فراغ يُنظمه اللامسؤولية

غياب التخطيط لا يقل وضوحاً، لايوجد خُطط مواجهة الأزمات وإدراتها، لايوجد بند مُعالجة الإصابات، المحافظة الشكلية لم تُخصص ميزانيات مُلائمة لإدارة الأزمات الواقعية النانجة عن الطقس والمناخ وانتشار الأوبئة القاتلة، ولايوجد لديها مهام التحرك لمُواجهتها لحظة حدوثها.
يتسائل أحد المُتضررين:
«ماهي الخطة التي أعدتها محافظة الحديدة لمواجهة الكوراث الطبيعية؟ حتى الخيام والفرش والبطانيات ومخازن المُعدات والأدوات الإغاثية لاتُوجد بتاتاً، وكان المنطقة في العصور الوسطى لا في القرن الحادي والعشرين»، يقول مُتذمراً.
ويتكرر سؤال آخر على ألسنة المواطنين: «هل عجزت المحافظة عن توفير أدوات إغاثة وتدريب كتبية دفاع مدني لعمليات الإنقاذ في الكوارث الطبيعية؟»، يتمنى.

السيل عاد لمجراه
جغرافيا بلا غرفة عمليات

في هذا السياق، يُصبح غياب التنسيق أكثر كلفة، ربط المناطق الجبلية والساحلية بغرفة عمليات مُشتركة لوضع خطط مُسبقة لمواجهة السيول والتخفيف من آثارها، وتدريب كوادر من المنطقتين لمواجهة الكوارث الطبيعية في «حالات الطوارئ»، يظل مُقترحاً بلا تنفيذ، التنسيق الحكومي مع المنظمات الإنسانية في هذا الجانب لا يعكس حجم التهديد، بل يظهر كإستجابة موسمية مُتقطعة.

النشاط الإنساني
منظمات على المقاس لا على الحاجة

غير أن الصورة تزداد تعقيداً عند تتبع دور هذه المنظمات على الأرض، في «الخوخة» وبقية المديريات الساحلية المنكوبة بالمزاجية والنافذين، لا تبدو المنظمات غائبة، بل حاضرة بالأسماء والعناوين، لكن هذا، وفق ما أفاد به سُكان ومصادر ميدانية، لا يعكس بالضرورة إستجابة حقيقية، فالتنسيق الحكومي مع المنظمات الإنسانية في هذا الجانب يتم عبر قنوات مُحددة، حيث يعرفها المسؤول الرسمي جيداً ويُحركها حيث يشاء، لكنه لايُحركها سوى بحسب خرائط الحاشية والخُلفاء، لاحيث المواطنين ومآسيهم.
مصادر إنسانية تحدثت عن أن جُزءاً من المُساعدات يتحرك وفق العلاقات لا وفق تقارير الإحتياج، ما يجعل بعض المناطق المنكوبة خارج دائرة التدخل الحقيقي، بينما تحظى الشلليات بنصيب أوفر في النتيجة.
على شاشة الأحداث المأساوية، يظهر مشهد منظمات البرستيج والأستايل التي تُساهم في نشاطات لايتسخ معها الجاكيت الأنيق من ماركة زارا، ولايزول عطر ديور، لكنها تغيب وتتلاشى في مواسم الموت حيث الوحل ليس شوكلاتا «غوديفا»، والجثث البريئة تتورم في الأسفل!

الرعية والراعي
حياة على حافة الكارثة

في قلب هذا المشهد، تستمر الحياة اليومية على حافة الخطر، إمرأة خرجت لتحطب في ظل أزمة الغاز المنزلي المُفتعلة تحت أعين السلطة، طفل خرج ليرعى بضعاً من أغنام أبيه، فتيات صغيرات يقطعن الوادي في الذهاب إلى المدرسة، لكن لسُوء الحظ أن كان العديد منهم مابين عشاء الكارثة إلى فطورها الصباحي، هنا، لا تبدو حكاية المأساة كإحتمال، بل واقعية إلى حد الفاجعة.

غرب اليمن
سُخرية تمشي فوق الوحل

المُفارقة الأكثر قسوة تظهر في تفاصيل صغيرة، النساء والأطفال و «النازحون» يمشون على مُستنقعات آسنة هي أشبه بألغام وبائية لاتقل بشاعة عن ألغام المليشيـ.ـات، تفور بين عظامهم لتسقط ماتبقى من كيان آدمي أنهكته الحرب، أما المسؤولين فيمشون على ذوات الدفع الرباعي، فبعد سفلتة الشوارع ورصفها بالرخام، لم تعد فكرة إرشاد المواطنين لطريقة المشي المُتحضر من إختصاصهم.

وزير منّا لا نعرفه
بلاغ عاجل .. وزير ضاع في الزحام

في التعيينات الحكومية الرسمية الجديدة التي قام بها مجلس القيادة الرئاسي منتصف يناير الماضي، سمع الناس في المناطق الساحلية المُحررة أن صار لهم وزيراً جديداً من أنفسهم كخزعة نسيجية من جلدهم قام بها مُختص جراحة شُؤون نظام الحكم في البلاد، لكن هذا الوزير لم يظهر بعد، لم يُرَ في سيل، لم يُسمع صوته بين «الضحايا» ولم تُعرف صورته بين الناس.
يختصر أحد المواطنين المشهد بقوله:
«سمعنا أن لنا وزير.. لكنه لا يظهر حين تسقط البُيوت فوق ساكنيها، وحين تغرق الفتاة فجأة فلايبقى من أثر لها سوى الحطب، يظهر حيناً في القروب لتفقد عدد من منشورات الثناء، أو في مُناسبة حاشي جديد قد سقط مُتفحماً على سُفرة طعام!» يصف بسُخرية.

في هذه الجغرافيا، لا يكفي أن يكون المسؤول من الناس، بل أن يكون بينهم حين تختفي الأرض وتتوحش الطبيعة تحت غمامة سوداء!

محاولة إتصال..
المشهد الأخير الجهاز مُغلق!

في النهاية، تتجمع كل الخيوط في مشهد واحد، إلى المواطنين:
«إستعدوا للكوارث بأنفسكم، الدولة لا تُحبذ الإصطياف في البحر، والسلطات المحلية في الحديدة إسم على ورق في كشوفات الحكومة اليمنية، والحلفاء، والمنظمات الدولية».

إتجهنا للمجلس المحلي في «الخوخة»، لكنه كان مُوحشاً يملأه صوت غراب، طرقنا الباب طويلاً كأننا نُحاول إيقاظ مؤسسة كاملة من سُبات طويل، لم يجب أحد، سألنا الحارس:
«أين المسوولين؟» فأجاب بهدوء:
«أنا مُجرد حارس للمبنى، لا أعرف أين هم؟ إنما يأتون أحياناً!».
تبادلنا نظرة سريعة، ثُم ابتسمنا بسُخرية لم نُخطط لها، بينما نكتشف بشكل لم يحدث في التاريخ منذ بدأت الدولة كشجرة لتسيير شُؤون رعاياها، إلى عصر المباني الفخمة والأسقف المُستعارة، أن السلطات المسؤولة في هذا المكان تُمارس دورها حسب المزاج!

في هذه اللحظة، لم تعد العبارة مُجرد شائعة، بل كان تأكيداً دقيقاً لما قلناه في البداية، حيث مأساة مدينة كاملة!
قلنا له: «يبدو أن الحديدة خارج التغطية.. أو أن الجهاز الإداري مُغلق!»..

هنا، لا تغيب الدولة فجأة، بل تنطفئ تدريجياً، حتى لا يبقى منها إلا باب مُوصد، وحارس يمضع القلق دون توقف، غراب ينعق على الأطلال والجُثث، ومدينة تُحارب في الطرقات حيث تواجه الكوارث وحدها!

▪️«كنتُ في سياق إعداد تحقيق صحفي مُلتزم بأدواته، غير أن ثقل المشهد الميداني جعل الحدود بين الرصد والرأي أكثر تداخلاً، فاقتربت الرواية من نبض الناس أكثر من حياد التدوين الصارم.»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!