مقالات

صوتٌ أيقظ السماء


البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان

كانت عدن تلك الليلة صامتةً بصمت الخوف لا بصمت السلام.
صمتٌ ثقيل كالرصاص، يجلس على صدرك ولا يتركك تتنفس.
كنا قد اعتدنا على نوع مختلف من الأصوات، أصوات الميليشيات وهي تزحف نحونا، وأصوات الرصاص وهو يقرع أبواب الأحياء واحداً تلو الآخر، وأصوات الناس وهم يودّعون ما تبقى من أمل.
ثم جاء الصوت.

لم يكن كأي صوت سمعته من قبل.
كان أعمق، أبعد، أكثر هيبةً. دوّى في السماء كأن الليل نفسه قرر أن يتكلم. ارتجّت النوافذ، واهتزت الجدران، وقبل أن يستقر العقل على تفسير، كان القلب قد عرف.
هذه ليست قذيفة عدو.
هذه قذيفة الفرج.

لا أعرف كيف وجدت نفسي على الأرض ساجداً. .لم يكن قراراً واعياً، لم أفكر ولم أتردد، ركبتاي سبقتا عقلي إلى الأرض.
وجبهتي لمست البلاط البارد وأنا أبكي كما لم أبكِ منذ زمن.
لم تكن دموع حزن، كانت دموع إنسان ظلّ واقفاً طويلاً تحت ثقل لا يُحتمل، ثم أُخبر فجأةً أن أحداً ما قرر أن يشاركه الحمل.

كان ذلك فجر السادس والعشرين من مارس عام ألفين وخمسة عشر.

اليوم، بعد أحد عشر عاماً، حين أغمض عيني وأستحضر تلك اللحظة، لا يتبدد شيء منها. لا تزال السجدة حاضرة في جسدي كأنها محفورة في العظم. ولا يزال ذلك الصوت يرنّ في أعماقي كأجمل موسيقى سمعتها أذناي.

كانت عاصفة الحزم بالنسبة للعالم عملية عسكرية، وبالنسبة للمحللين معادلة توازن إقليمي، وبالنسبة للسياسيين رسالة حازمة. لكنها بالنسبة لنا نحن أبناء عدن، كانت أبسط وأعمق من كل ذلك. كانت دليلاً على أن أحداً ما لا يزال يرى فينا بشراً يستحقون الحياة.

عدن في تلك الأيام لم تكن مدينة، كانت جرحاً مفتوحاً. كانت ميليشيات تزحف على أحيائها كالسيل، وكان الناس يتساءلون بهمس متصاعد: هل سيأتي أحد؟ هل ثمة من يسمع؟ وكان الصمت الدولي يجيب كل يوم بلا مبالاة فاجعة.
ثم أجابت السماء بدلاً عنه.

أحد عشر عاماً مرّت، وما زلت حين أرى طائرة التحالف في الأفق أتذكر تلك السجدة. ما زلت أحمل في داخلي ذلك الطفل الذي بكى من الفرح لأن أحداً أخبره أخيراً أن الظلم لن يكون الكلمة الأخيرة. وما زلت أؤمن أن اللحظات التي يسجد فيها الإنسان شكراً، لا تُنسى، لأنها اللحظات التي يلتقي فيها أضعف ما فينا بأعظم ما نؤمن به.

عاصفة الحزم لم تكن فقط عملية عسكرية أنقذت عدن. كانت لحظة أعادت لنا الإيمان بأن هذا العالم لم يتخلَّ عنا بعد.
وهذا، وحده، يستحق كل سجدة.
ويستحق ان يضل ما قدمته المملكة العربية السعودية محفوراً بقلوبنا بكلمات شكراً سلمان ، شكراً مملكة الحزم ….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!