مقالات

الحرب الحقيقية ليست حيث تنظر…


البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان

كلّ الناس يتحدثون عن إيران. يتحدثون عن خامنئي. يتحدثون عن إسرائيل. لكن من يتوقف ليسأل: ما الذي يجري خلف هذه المشاهد المتلاحقة؟ وما الخيط الرابط بين اعتقال مادورو في كاراكاس ومقتل خامنئي في طهران؟ الجواب ليس في الشرق الأوسط. الجواب في بكين.

في مطلع يناير 2026، نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة داخل فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما. الجميع قال: سقط الديكتاتور. لكن لم يسأل أحد: من كان أكبر زبون لنفط فنزويلا؟ الصين. كانت فنزويلا تُصدّر نحو 800 ألف برميل يومياً مباشرة إلى بكين. ذهب مادورو، وانقطع هذا الخط.

وبعدها بأسابيع، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية مشتركة على طهران أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. الجميع قال: انتهى التهديد النووي. لكن لم يسأل أحد مجدداً: من كان أكبر زبون لنفط إيران؟ الصين أيضاً. كانت إيران تُصدّر نحو 1.5 مليون برميل يومياً نحو بكين. بدأت الحرب، وانقطع هذا الخط. بلدان مختلفان، قارتان مختلفتان، ذريعة مختلفة، لكن الزبون واحد. وهذا ليس صدفة.

لفهم ما يجري علينا أن نعود خطوة إلى الوراء. المفكر الاستراتيجي راي داليو يُذكّرنا بقانون تاريخي لا يتخلّف: حين تقترب قوة صاعدة من تجاوز القوة القائمة، يغدو الصدام شبه حتمي. يُسميه علماء السياسة “فخ ثيوسيديدس”. هذا الفيلم عُرض من قبل أكثر من مرة، ألمانيا صعدت فكانت الحرب العالمية الأولى، واليابان اقتربت فكانت الثانية، والاتحاد السوفيتي تحدّى فكانت الحرب الباردة. الصين اليوم تنتج وحدها ما يقارب 28% من الناتج الصناعي العالمي وهي ماضية نحو تجاوز الاقتصاد الأمريكي خلال هذا العقد. هذا بالنسبة لواشنطن أزمة وجودية لا مجرد تحدٍّ اقتصادي. وأخطر لحظة لأي قوة عظمى هي عندما يكون منافسها على وشك تجاوزها.

ونقطة الضعف الهيكلية للصين واحدة وواضحة: هي تستورد نحو 73% من احتياجاتها النفطية. تخيّل محركاً ضخماً يُدير ربع إنتاج العالم لكنه لا ينتج وقوده بنفسه. لهذا المحرك أربعة أنابيب رئيسية هي فنزويلا وإيران وروسيا والسعودية. أمريكا لم تحارب الصين مباشرة، بل قطعت أنابيبها.

اعتُقل مادورو فانقطع نفط فنزويلا. قُتل خامنئي فتوقف التدفق الإيراني. قُيّدت روسيا بعقوبات مشددة. وخلال أشهر قليلة فُقد ما يزيد على 20% من الإمدادات النفطية الخارجية للصين، ولم ينتبه أحد لأن الجميع كان منشغلاً بالنظر إلى إيران.

لكن الطاقة ليست الجبهة الوحيدة. الصين كانت تبني طريق الحرير الجديد، شبكة تجارية ضخمة تمتد من بكين إلى قلب أوروبا عبر سكك حديد وموانئ واستثمارات بتريليونات الدولارات. وكانت إيران هي حلقة الوصل الجغرافية الأساسية في هذا الطريق. فبمقتل خامنئي وتفجّر إيران من الداخل، أُسدل ستار على هذا الحلم اللوجستي الصيني.

وهنا يدخل اليمن في قلب المعادلة لا على هامشها. باب المندب، ذلك المضيق الذي يطل عليه اليمن من الجنوب الغربي، هو أحد أضيق نقاط الاختناق البحري في العالم وأكثرها حساسية. نحو 10% من حجم التجارة البحرية العالمية تمر عبره، ومعظم نفط الخليج المتجه إلى أوروبا وأمريكا يعبر منه. لكن الأهم من كل ذلك أن هذا المضيق هو الشريان الرئيسي لمبادرة الحزام والطريق الصينية نحو أفريقيا وأوروبا. الصين التي تبني موانئ في جيبوتي وكينيا وتنسج شبكة تجارية تمتد من المحيط الهندي حتى البحر المتوسط، لا يمكنها تجاهل من يسيطر على باب المندب ولا كيف يسيطر عليه.
من هنا تحديداً فهمنا لماذا استثمرت إيران في الحوثيين بهذا العمق.

الحوثيون لم يكونوا لإيران مجرد ورقة ضغط إقليمية أو أداة لإرباك المملكة العربية السعودية، بل كانوا المفتاح الإيراني لباب المندب، وبالتالي المفتاح للتأثير على أحد أهم شرايين التجارة الصينية نحو العالم. هذه العلاقة لم تكن خيرية ولا أيديولوجية في جوهرها، بل كانت صفقة جيوسياسية: طهران تُسلّح وتُموّل وتُدرّب، ومقابل ذلك تحتفظ بورقة استراتيجية تستطيع في أي لحظة تهديد الملاحة الدولية وابتزاز القوى الكبرى.

وهذا بالضبط ما جعل اليمن مهماً لأمريكا بالقدر ذاته، لكن من الزاوية المعاكسة. واشنطن التي تسعى إلى تطويق الصين وقطع خطوط إمدادها، ترى في اليمن المستقر تحت نفوذ موثوق ورقةً تُغلق على الصين باباً استراتيجياً كانت تعوّل عليه. يمن مضطرب يسيطر عليه الحوثيون المرتبطون بطهران يعني ممراً بحرياً في متناول إيران ومن خلفها الصين. أما يمن مستقر تحت سلطة شرعية في دائرة التفاهم مع الرياض وواشنطن، فيعني إغلاق هذا الباب بالكامل أمام المشروع الصيني في المنطقة.

والصراع على هذا الممر ليس افتراضياً. ما فعله الحوثيون من استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر طوال عامَي 2024 و2025 أثبت للعالم أجمع أن من يسيطر على اليمن وسواحله يملك قدرة حقيقية على تعطيل التجارة العالمية. شركات الشحن الكبرى حوّلت مسارات سفنها حول رأس الحسن بدلاً من قناة السويس وباب المندب، وهذا وحده كلّف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات. لم يفعل الحوثيون ذلك بقدراتهم الذاتية، بل بصواريخ ومسيّرات إيرانية، بتمويل إيراني، وبضوء أخضر إيراني مرتبط بدوره بحسابات أعمق تتصل بالصراع مع أمريكا وإسرائيل.

الآن تغيّر المشهد جذرياً. مقتل خامنئي وانهيار منظومة القيادة الإيرانية يعني أن الحوثيين فقدوا مرجعيتهم الروحية والسياسية ومصدر تسليحهم وتمويلهم في آنٍ واحد. الصمت الحذر الذي سادت خطابات عبدالملك الحوثي في الأيام التالية لم يكن حداداً فحسب، بل كان حيرة وجودية حقيقية. جمهور قُدِّم له الحوثيون على أنهم يقاتلون من أجل غزة والقدس، لن يقبل أن يموت دفاعاً عن نظام طهران الذي لم يعد قائماً بزخمه القديم.

وهنا تكمن الفرصة التاريخية التي ندر في التاريخ أن تتكرر بهذا الشكل. الشرعية اليمنية أمام لحظة نادرة، إذ تتقاطع مصالح الرياض وواشنطن وأبوظبي جميعها في نقطة واحدة: يمن مستقر يُغلق باب المندب أمام المشروع الصيني-الإيراني ويُعيد رسمه ممراً تحت سيطرة الشرعية. هذا ما يريده الجميع، وهذا ما يمنح الشرعية اليمنية ثقلاً تفاوضياً لم تملكه منذ سنوات.

ما يجري في العالم اليوم أكبر مما تقوله العناوين. فنزويلا ليست فنزويلا فحسب، وإيران ليست إيران فحسب، واليمن ليس أزمة إنسانية فحسب. كل هذه الملفات خيوط في نسيج صراع واحد بين قوتين تتنافسان على قيادة العالم. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل كل يمني يفهم هذه المعادلة ليس ماذا يحدث في العالم، بل كيف يجعل اليمن طرفاً يُصنع على طاولته لا ورقةً تُقلَّب فوقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!