الحوثي: الوريث الطامع في زعامة المحور الإيراني…

البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان
كاتب ومحلل سياسي
في زمنٍ تتراجع فيه أدوات إيران التقليدية، وتتساقط واحدة تلو الأخرى تحت ضغط التحولات السياسية والتدخلات الإقليمية، يتقدّم الحوثي ليقدّم نفسه داخل طهران كـ”أنجح مشروع” في المحور.
فبينما يترنّح حزب الله اللبناني بعد القضاء الممنهج على الصفوف القيادية الأولى والثانية – وربما الثالثة – من كوادره العسكرية والسياسية، واستنزاف مرجعياته الدينية داخل لبنان، إلى جانب ثقل الانهيار الاقتصادي والغضب الشعبي المتصاعد،
وفي ظل خروج سوريا من المحور الإيراني بعد عقد كامل من الدعم المالي والعسكري المكثّف من طهران دون أن تنجح في تثبيت نفوذها هناك، تُطل جماعة الحوثي على الإيرانيين بثقة: “نحن الذراع التي لم تنكسر، بل تنمو وتتمدد”.
من سرداب صعدة إلى قلب القرار في طهران
جماعة الحوثي، التي بدأت من أقصى شمال اليمن كحركة عقائدية مسلحة، تحوّلت خلال أقل من عقد إلى قوة تسيطر على العاصمة، وتحكم مؤسسات الدولة، وتمسك بزمام الاقتصاد والسلاح والقرار السياسي في مناطق سيطرتها.
اليوم، تسوّق نفسها داخل إيران بأنها النموذج الأنجح من بين كل أدوات طهران في المنطقة:
• حزب الله يعاني من تصدّع بنيوي حقيقي، بعد خسارة متتالية لقياداته المؤثرة، وتآكل تأثيره المجتمعي، وتحوله إلى عبء داخلي بدلًا من مشروع عابر للحدود.
• سوريا خرجت من المحور الإيراني بشكل واضح، بعد سنوات من الدعم المفتوح، دون أن تتمكن طهران من الاحتفاظ بموقعها هناك كفاعل مقرّر.
• الميليشيات العراقية تعاني من انقسامات داخلية ومنافسة شعبية متزايدة.
في المقابل، الحوثي يواصل ترسيخ سلطته، ويُصدّر خطاب “العداء للمشروع الصهيوني الأمريكي”، ويهاجم السفن في البحر الأحمر، ويفاوض تحت الطاولة لتمديد نفوذه في الداخل.
في لحظة سقوط العمق الإيراني… من الذي رد؟
تعرّضت إيران في السنوات الأخيرة لسلسلة ضربات نوعية استهدفت قلب مشروعها:
من اغتيال قاسم سليماني ومحسن فخري زادة، إلى تفجيرات نطنز ومنشآت الطرد المركزي، وصولًا إلى ضربات إسرائيلية مباشرة في طهران ودمشق.
ورغم كثافة الضربات، لم تتحرك أدوات إيران الكبرى كما كان متوقعًا:
• حزب الله اكتفى بخطابات ناعمة، وتراجع فعليًا عن الخطاب التصعيدي، وبدأ بمراجعة ترسانته بدلًا من استخدامها.
• الميليشيات العراقية لاذت بالصمت أو بالتحذيرات الإعلامية، دون تنفيذ أي رد ميداني نوعي.
• سوريا لم تكن ضمن أدوات الرد، بعد أن خرجت من حسابات المشروع الإيراني بشكل نهائي.
وحده الحوثي، رغم بُعده الجغرافي، تحرك في توقيتات متزامنة مع تلك الضربات، وشنّ هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، سواء ضد اسرائيل أو في البحر الأحمر.
وفي دوائر طهران، فُسّرت تلك التحركات بأنها رسالة دعم واضحة من صنعاء إلى الحرس الثوري الإيراني، وبيعة متجددة لمشروع الولي الفقيه.
كيف يسوّق الحوثي نفسه لطهران؟
1. كمنظومة حديدية مُحكمة:
لم يُلغِ الحوثي الأحزاب رسميًا، ولم يحل البرلمان من الناحية الشكلية، لكنه أفرغهما من المضمون تمامًا. الأحزاب في صنعاء إما صُودرت أو أُخضعت أو صمتت، والبرلمان تحوّل إلى منصة تُنطق بما يريد الحوثي فقط، وتصوّت بالإجماع على ما يُملى من مكتب عبدالملك.
2. كقوة عسكرية هجومية رخيصة الكلفة:
بخلاف حزب الله الذي يحتاج تمويلًا دائماً وضخماً، الحوثي يعتمد على الجبايات ونهب الموارد، ويموّل نفسه من الداخل.
أما الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن في البحر الاحمر، فقد توقفت فعليًا منذ الهدنة الحوثية الامريكية ، لكنها لا تزال جزءًا من ترسانة التهديد الحوثي، ويمكن أن تعود في أي لحظة إذا قررت إيران تحريك أدواتها، أو أراد الحوثي ممارسة ابتزاز سياسي واقتصادي جديد.
3. كحالة عقائدية نقيّة:
لا يُخفي الحوثي تطرفه العقائدي، ولا يُجمل خطابه بأقنعة سياسية وبالأخص داخل اليمن و ايران. يتحدث بوضوح عن “الولاية”، ويُعيد صياغة المناهج والهوية والدولة على قاعدة فكرية طائفية ترتبط عميقًا بمرجعية قم وطهران، ليُقدّم نفسه كنسخة يمنية من الحرس الثوري، أكثر نقاءً، وأقل اعتراضًا.
طموح يتجاوز صنعاء
الخطير في اللحظة الراهنة ليس سيطرة الحوثي على صنعاء، بل تحوله إلى رأس حربة إقليمية بديلة.
الحديث لم يعد عن “حركة يمنية” بل عن مشروع له أطماع في البحر الأحمر، وعدن، وشرق أفريقيا.
يتقاطع مع مصالح الحرس الثوري الإيراني، ويُنسّق مع ما تبقى من حزب الله، ويطرح نفسه داخل الدوائر الإيرانية كـ”قائد الجيل الثاني من المحور”.
أخطر ما في الأمر
أن الحوثي يُتقن فن “التقية السياسية”، ويُظهر انفتاحًا شكليًا على السلام دولياً، بينما يُحكم قبضته داخليًا، ويُعدّ العدة لتوسيع المشروع لا تسويته.
وهو يُدرك أن لحظة التراجع اللبناني، وخروج سوريا من الحسابات الإيرانية، وتصاعد الفراغ في العراق، تمثل فرصة تاريخية للتمدد داخل العقل الإيراني، لا سيما في ظل تصاعد وزن الحرس الثوري مقابل مؤسسة الدولة الرسمية في طهران.
الخلاصة:
الحوثي ليس مجرد تهديد داخلي لليمن، بل مشروع إقليمي يتغذى على الفراغ، ويتسلل تحت عنوان المظلومية والمقاومة ليُنتج نظامًا طائفيًا شموليًا متماهيًا مع طهران.
والخطر الحقيقي، أن الغرب قد يشتري “العقلانية الحوثية” المُصطنعة، بينما هو في الواقع يُحضّر لجولة أطول وأشرس من العبث الجغرافي والديمغرافي.



