الأخبار

ديفانس لاين.. الحوثيون بعد عام من الخسائر الثقيلة: حسابات 2026 في ظل تغيّر الموازين الداخلية

تحليل- عدنان الجبرني

ودّع الحوثي، العام الماضي، مثقلا بخسائر مُركّبة، شملت البنية القيادية، والقدرات المالية، والمنظومة الأمنية، ومستوى تماسك المحور الإقليمي المساند للجماعة، وانتهاء بما حصل في المحافظات الجنوبية من تحوّل حاسم في وضع الحكومة الشرعية والتحالف الذي تقوده السعودية.

فقدت الجماعة أكثر من نصف تشكيلتها الحكومية بضربة إسرائيلية أواخر أغسطس، وعدداً من أبرز قياداتها العسكرية والأمنية، على رأسهم محمد الغماري رئيس أركان الجماعة، الذي كان شخصية مركزية في هيكل الجماعة العسكري، فيما أصيب وزير دفاعها محمد العاطفي، إضافة الى المعلومات بشأن إصابة بليغة لوزير الداخلية في الجماعة عبدالكريم الحوثي (عمّ زعيم الجماعة وأحد أقوى شخصياتها) الذي لم يظهر حتى اللحظة منذ اغسطس الماضي، إلى جانب كوادر متخصصة في الأقسام النوعية، أبرزهم زكريا حجر مسؤول قسم الطيران المسيّر، وأبرز مساعديه في القسم من مسؤولي التخصصات، وكذلك بعض كوادر قسم الصاروخية وقائد العمليات المشتركة للعمليات الخارجية محمد الحيفي، وأضرار طالت منشآت وبنى تحتية حساسة.

كما شملت الخسائر شخصيات من مكتب التعبئة، وأفراداً من الدائرة القريبة لزعيم الجماعة، وكثير ممن قتلوا لا تزال الجماعة تؤجل الإعلان عن مقتلهم، وبعضهم تم  تشييعهم بشكل متقطع أواخر العام الماضي «خلال ديسمبر الماضي شيعت الجماعة 15 قيادي عسكري برتبة لواء – عميد».

الحصيلة السابقة كانت نتيجة العملية الأمريكية (مارس – مايو)، وكذلك جولات الغارات الإسرائيلية الانتقامية المرتبطة بدور الحوثيين في حرب غزة، والتي استمرت حتى 13 أكتوبر 2025.

الاختراق الأمني.. الضربة الأشد

غير أن الضربة الأكثر حساسية بالنسبة لعبدالملك الحوثي، كانت أمنية بامتياز. فقد اعتادت الجماعة التفاخر بما تصفه بـ «التفوق الأمني» مقارنة ببعض أذرع المحور التي انكشفت أمنياً بشكل محرج، خلال المواجهة، خاصة حزب الله وإيران.. إلا أن عام 2025 كشف ثغرات عميقة في قلب المنظومة الداخلية للجماعة والدائرة الضيقة لزعيمها تحديدا، رغم ما يُحاط به من الغموض والامتناع عن الظهور العلني منذ سنوات طويلة.

وبحسب مصادر خاصة، فقد اكتشفت الجماعة في أواخر نوفمبر الماضي، وجود شخص مرتبط مباشرة بمكتب عبدالملك الحوثي ودائرته الخاصة، قام بتسريب معلومات شديدة الحساسية تتعلق بمقرات سرية كان يتردد عليها عبدالملك الحوثي وبعض معاونيه في فترات سابقة. الأمر الذي أجبر الجماعة على إجراء تغييرات شاملة في منظومة الحماية الأمنية، وإعادة هيكلة إجراءات تأمين تحركاته واتصالاته.

كما تشير مصادر أمنية خاصة إلى تلقي عبدالملك الحوثي «رسالة – ونصيحة» عبر قناة إقليمية، تضمنت معلومات حساسة عن عبدالملك ولقاءاته السرية التي كان يعقدها مع قيادات في قطاعات مختلفة في الجماعة عبر منظومة اتصال مغلقة. هذا التطور ضاعف من عزلة الحوثي، وارتباكه، وقيّد تواصله التنظيمي بنسبة كبيرة، الأمر الذي انعكس على شكل ارتباك ملحوظ في إدارة الجماعة ومؤسساتها وملفاتها المختلفة.

ويبدو أن المُعضلة الأمنية توسعت لدرجة فضلت معها الجماعة عدم إصدار قرار بتعيين رئيس حكومتها ومل شواغر الوزراء القتلى رغم مرور قرابة نصف العام على مقتلهم، اذ يستمر «العلامة محمد مفتاح» بدور القائم بالاعمال (واجهة)، فيما يقوم فريق الظل في «القطاع الاداري» بإدارة الحكومة عبر فريق أحمد حامد.

وتحت غطاء تأمين «الجبهة الداخلية»، قامت الأجهزة الأمنية للجماعة باعتقال واختطاف المئات في مناطق سيطرتها، وانتزعت من بعضهم اعترافات بالعمالة والتجسس وقامت ببثها بشكل استعراضي لمحاولة استعادة صورتها الأمنية المغلقة.

الضغط المالي وتآكل الموارد

مالياً، يُعد عام 2025 الأسوأ للجماعة منذ سيطرتها على صنعاء، إذ فقد الحوثيون مصادر تمويل رئيسية نتيجة الغارات الجوية، وتشديد العقوبات الأمريكية على شبكاتهم المالية محليا وخارجيا، وفرض قيود إضافية على التحويلات القادمة من لبنان والعراق وإيران. كما جرى اعتراض شحنات تهريب كبيرة لأسلحة نوعية كانت في طريقها إلى صنعاء عبر البحر.

انعكست هذه الشحة المالية، غير المسبوقة، على إدارة مناطق السيطرة في كافة القطاعات، وعلى مستوى الإنفاق (الشحيح أصلا) على المؤسسات الإدارية (حكومة الجماعة)، وكذلك على شبكات الولاءات والاستقطاب.

وفي مسعى للتعويض، اتجهت الجماعة إلى فرض مزيد من الجبايات عبر زيادات في نسب الضرائب والجمارك، والسيطرة على شركات خاصة، وتحصيل جبايات قاسية كمجهود حربي، مما زاد من مستوى السخط الشعبي، ورغم ذلك، فإن الجماعة و-بأمر مباشر من زعيمها- توجّه معظم تلك الأموال لصالح أقسام التصنيع العسكري وشبكات التهريب المرتبطة بالقسم، الذي يعتبره الحوثي أولوية مقدمة على ما سواه، بينما يراهن على اليد الأمنية الثقيلة لمنع أي احتجاج شعبي بسبب عدم صرف المرتبات وحالة المجاعة المتفاقمة.

محور المقاومة في أضعف حالاته

ترافقت خسائر الحوثيين مع تراجع كبير في تماسك “محور المقاومة”، إذ تمر إيران بمرحلة ضعف غير مسبوقة، وتواجه تحديات داخلية وخارجية ذات طابع وجودي بعد حرب ال12 يوما في يونيو الماضي، والاحتجاجات الشعبية أواخر ديسمبر المنصرم، إضافة إلى التهديد الأمريكي القائم بضربة وشيكة بعد حشد أصول عسكرية أمريكية غير مسبوقة الى المنطقة، فيما يقاتل حزب الله المثخن، من أجل النجاة وتفادي موجة حرب جديدة قد تهدد ما تبقى من بنيته العسكرية والسياسية. أما الفصائل العراقية فتعيش حالة ارتباك سياسي وأمني، بينما خرجت سوريا فعلياً من المعادلة، وتراجعت رهانات الحوثيين على استعادة نفوذ المحور هناك، رغم حماسهم للمساهمة!.

وبالتالي، تبدو طهران أقل اندفاعاً، وأكثر ميلاً إلى التهدئة مع دول المنطقة، خصوصاً السعودية، وبالنسبة لطهران أيضا، فإن الاستثمار في تطوير العلاقة مع السعودية في الوضع الحالي هو أهم من أي مكاسب قد يجنيها الحوثيون، وتصريحات “عراقجي” ولقاءاته في مسقط، خلال الشهرين الماضيين، تشير إلى أن إيران تريد أن تستثمر ورقة الحوثي لكسب نقاط في علاقتها السعودية، وربما أنها (طهران) تعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لحصد بعض ثمار استثمارها الطويل والجريء في الحوثيين، والمرجح أن تتجه إلى تعويض الحوثيين حالياً من خلال مستوى أعلى من نقل التقنية والمعرفة العسكرية المتطورة لطمأنة الجماعة وإثبات حرصها على تقويتها على المدى الإستراتيجي، وهناك معلومات أولية تشير إلى هذا المسار، وحصول الحوثيين على تقنية جديدة و”استراتيجية”خلال الأشهر القليلة التي أعقبت توقف حرب غزة.

بالنسبة للحوثيين، قد يعني هذا تضاؤل “محتمل” لمستوى الإسناد الإقليمي الذي كانوا يستندون عليه، وتصاعد القيود على قرارهم بشأن أي تصعيد، خصوصاً في العلاقة مع السعودية وخارطة الطريق. وفي الوقت نفسه، فإن خشية عبدالملك الحوثي، من “البطالة الجهادية” داخل قواته، وتحولها الى عبء، ستدفعه للبحث عن ساحات اشتباك بديلة – أو على الأقل إبقاء الجبهة الخارجية الأبعد، حيّة – ريثما تتغير ظروف المحور والاقليم، مع الحفاظ على جاهزية للتدخل إذا تعرضت إيران لضربة جديدة.

الحاضنة الشعبية وحالة الخوف

على الصعيد الداخلي، لم يحقق الحوثيون المكاسب الشعبية التي توقعوها مقابل خطابهم ودورهم المرتبط بحرب غزة، اذ عاد تصاعد السخط الشعبي والانتقادات في مناطق سيطرتهم. وردّت الجماعة بحملة قمع واسعة شملت المئات بل الآلاف، خصوصاً حول ذكرى 26 سبتمبر، واستهدفت نشطاء، ومشايخ قبائل، وقيادات سياسية، بما في ذلك شخصيات من حزب المؤتمر المتحالف شكلياً معها، كما شنت حملات منظمة ضد كوادر من حزب الإصلاح في محافظات إب وذمار وصعدة.

كما أصدرت الجماعة عشرات أحكام الإعدام، وصعّدت خطاب التخوين والترهيب، ووسّعت نفوذ جهاز استخبارات الشرطة بقيادة علي حسين الحوثي، نجل شقيق عبدالملك الحوثي.

رهانات ديسمبر والتحول المفاجئ

في نهاية عام 2025، رأت الجماعة فرصة سانحة مع تصعيد المجلس الانتقالي، بإيعاز ودعم إماراتي، في حضرموت والمهرة، وظل الحوثيون يراقبون -بهدوء- ما بدا لهم أنها فرصة لاحت من جهة الشرق هذه المرة، ووضعت تلك التطورات، الرياض ومجلس القيادة الرئاسي في موقف ضعيف نسبياً، غير أن هذه اللحظة سرعان ما تلاشت مع التحول السعودي الحازم الى جانب مجلس القيادة، وجرى استعادة حضرموت والمهرة وعدن، وإخراج الإمارات من اليمن بقرار من مجلس القيادة، وبالتالي عودة وحدة مجلس القيادة الرئاسي، وتشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة التحالف.

أعاد هذا التحول قدراً من المركزية ووحدة القرار إلى معسكر خصوم الحوثيين، وأنهى مرحلة كانت الجماعة قد استفادت فيها من تشتّت خصومها وانقسامهم، وتباعد الوجهات والأهداف بين تشكيلات الشرعية، كما أعاد تشكيل حسابات التفاوض بشأن خارطة الطريق من خلال خلْق فرصة لإعادة بناء التوازن، سواء في مسار تناغم الأداء الحكومي ووحدة الغاية الإستراتيجية وسلّم الأولويات، أو من خلال المسار الآخر بإعادة بناء وتعبئة جميع التشكيلات العسكرية ضمن الجيش الوطني وتأهيلها لكسر ورقة التفوق العسكري الحوثي، الذي ظل يراهن عليها خلال السنوات الماضية.

كما أن هذا الموقف السعودي (الخشن) وعودة إقلاع الطائرات الحربية السعودية نحو الأجواء اليمنية قد خيب آمال الحوثيين، وكسر فرَضية راهن عليها بعضهم علنَاً خلال الفترة الماضية بشأن عزوف السعودية عن التدخل «عسكريا» مجدداً في الشأن اليمني، لكن الرياض، أعادت رسم الخطوط الحمراء وأظهرت أنها مستعدة لاستخدام كل قوتها ووزنها ونفوذها عندما يتعلق الأمر بحماية المسار العام في اليمن وما يمكن أن يهدد أمنها أو يؤدي إلى إسقاط الحكومة الشرعية التي تدعمها. حتى وإن كان تدخلها العسكري هذه المرة في حضرموت والضالع لا يقارن من حيث امكانية رد الفعل عندما يتعلق الأمر بالحوثيين، لكنه يظل مؤشراً قويا وجديّا.

وهناك بُعد آخر لا يقل أهمية فيما يتعلق بإخراج الإمارات من اليمن، إذ لطالما كانت طبيعة الوجود والنفوذ الإماراتي في جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي، تعود على الحوثي بمكاسب  غير مباشرة، أبرزها، أنه كان يمد السردية الحوثية برافعتين ذهبيتين، خاصة أمام جمهورها، وفي ومناطق سيطرتها عموما: التقسيم/ الانفصال، والعلاقة/ الارتباط مع إسرائيل.

وهما شعاران يوفران على الحوثي جهودا في التعبئة لوقع هذه الشعارات في وجدان كثير من الناس، وهو ما كان يمنح أو سيمنح الحوثي زخما للحشد ضد خصومه الذين كانوا – فوق إخفاقاتهم السياسية والعسكرية – يُتَّهمون بالتفريط بوحدة البلاد وبالارتهان لمحاور إقليمية مرفوضة لدى قطاع واسع من اليمنيين.

وبالتالي فإن تآكل هذه السرديات، وخسارة الحوثيين لهذه الأوراق الدعائية، بالتوازي مع تجدد الأمل داخل معسكر خصومهم، قد يفضي إلى إعادة تشكيل المزاج العام، ومنح المعسكر المقابل للحوثيين دَفعة معنوية ورمزية جديدة، قائمة على وعد واقعي بالخلاص واستعادة الدولة، شرط حُسن إدارة العهد الجديد.

أسباب الخسائر: مزيج من العوامل

يمكن تفسير النتائج الثقيلة التي مُنيت بها الجماعة خلال 2025، من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها: اندفاع القيادة الحوثية (عبدالملك) وتسرّعها في بعض المسائل المتعلقة بقرارات إستراتيجية، ما أدى الى اختناق الأفق السياسي وانحسار هامش المناورة والخيارات، أخطأ الحوثي في معايرة مواقف متعددة كان حسن نصر الله، مؤثرا في ضبط إيقاعها.

ثم إن انكفاء طهران وانشغالها بملفاتها الداخلية، والتحولات في ميزان القوى الإقليمي، والاحتقان الداخلي والارتباك الأمني بفعل الضربات الجوية، وفشل عدد من السياسات الاقتصادية والإدارية، بالإضافة إلى صراعات داخلية لم تظهر إلى العلن بشكل واضح حتى الآن، أدى في مجموعه إلى سلسلة من الخسائر في كثير من الملفات.

مكاسب عسكرية محدودة في 2025

على الرغم من هذه الخسائر في الجوانب القيادية والأمنية والاقتصادية والسياسية، حققت الجماعة بعض المكاسب في مجال تطوير القدرات العسكرية، بدعم إيراني ومن أطراف أخرى. وظهرت مؤشرات ذلك في تجارب على صواريخ انشطارية استطاعت المناورة مع منظومات الدفاع الإسرائيلية في أغسطس وسبتمبر تحديدا، إضافة إلى نجاح مسيّرات في الوصول إلى إيلات خلال عدة هجمات متتالية خلال المدة نفسها، فضلاً عن تجربة صاروخ بعيد المدى خلال الأيام الاخيرة من العام الماضي وبداية العام الجاري. وهو صاروخ لم يكشف عنه (جهاد) بخصائص جديدة تصل الى 2000 كم.

وبالإضافة الى هذا التطور، يعتقد الحوثي أنه حقق نجاحا في مسار التعبئة، عبر آلاف الفعاليات والمناسبات الجماهيرية والبرامج التدريبية التي عممها على موظفي الدولة وطلاب المدارس والجامعات.

2026: مهام وأولويات عبدالملك الحوثي

رغم قسوة العام الماضي، الا أن هذا العام قد تتجه خلاله الجماعة لترميم قدراتها وانتظار جلاء جزء من الاشتباك القائم في المنطقة بشكل اساس مع التركيز على بناء القدرات النوعية لتثبيت حالة «الاستعصاء» التي يطمح اليها عبدالملك عبر التجلد في المواجهة واثبات استحالة القضاء على الجماعة أو لجمها.

وفي سبيل ذلك، فإن هناك مسارين رئيسيين في أجندة المجلس الجهادي لجماعة الحوثي في 2026؛ مسار المعارك الخارجية المرتبطة بمحور المقاومة، ومسار وضع الجماعة الداخلي والمحلي بما في ذلك الجبهات مع الحكومة الشرعية في ظل المتغيرات الأخيرة.

المسار الأول: الجهاد العالمي وإسناد المحور

استهل عبدالملك الحوثي، عام 2026، ببيان حول اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة، واعتبر أي وجود إسرائيلي هناك تهديدا مباشرا، متوعداً باستهدافه عسكرياً. وبحسب مصادر خاصة، فقد وجّه الحوثي توبيخا لقيادة العمليات التابعة له لعدم استهداف وزير الخارجية الإسرائيلي خلال زيارته لأرض الصومال، في 6 يناير الماضي، قبل أن يظهر في خطاب لاحق بعدها بأيام ليقول إن الوزير الإسرائيلي تسلل متخفيا خوفا من موقف جماعته، وكرر تأكيده على جدية تهديداته، باستهداف أي تمركز عسكري إسرائيلي في أرض الصومال.

إلى جانب هذا الملف، تتضمن أجندة الحوثي خلال العام الجديد، الاستعداد للتدخل في ثلاث ساحات خارجية محتملة: في حال توجيه ضربة أمريكية – إسرائيلية لإيران – وله تجربة سابقة منسقة مع الحرس الثوري خلال ما عُرف بـ”حرب الاثني عشر يوماً” – أو اندلاع مواجهة جديدة مع حزب الله، أو تعثر اتفاق غزة وتجدد الحرب على غزة. وبالتالي من المحتمل أن ينصَب جزء مهم من تركيز الجماعة على الحفاظ على امتيازها الحالي ضمن المحور باعتبارها «اليد الطولى والعنيدة للإسناد».

في المقابل، يتوقع الحوثيون تصعيدًا إسرائيليا وشيكاً ضدهم، ويتحدث عبدالملك الحوثي، في كل خطاب عن «الاستعداد لجولة الحرب القادمة» في ظل تصريحات إسرائيلية متكررة تشير إلى أن 2026 سيكون عامًا لـ«الحرب في جبهات بعيدة»، مع تلويح متزايد لقادة الجيش الإسرائيلي باستهداف الحوثيين باعتبارهم تهديداً متقدماً مقارنة بحزب الله وإيران.

 
كما أن تحوّل الخطاب الحوثي وتوسّع النزعة العقائدية يشير إلى ازدياد ولَع الجماعة بالمعارك الخارجية من خلال خطابات عبدالملك الحوثي، والخطاب التعبوي والإعلامي، والتي تركّز بشكل متزايد على قضايا “الأمة” ومواجهة “الاستكبار”، مع توسع في تحليل وفهم الشؤون الدولية والإقليمية من منظور عقدي صارم يميل إلى مزيد من الأصولية والتطرف، وهو عامل شخصي مؤثر في صياغة قرارات الجماعة وسلوكها الإستراتيجي.

المسار الثاني: ترميم البنية والحرب الداخلية

تبدو مهمة الحوثي في هذا المسار أكثر تعقيداً وتداخلاً، وقد سبق له، في خطاب سابق، رسْم أولوياته المعلنة في ثلاث قضايا رئيسية يركز عليها، وتتمثل في:

أولاً: تعزيز القوة النوعية الإستراتيجية

عبر تطوير الصواريخ والمسيّرات والقوة البحرية، وتوجيه موارد مالية كبيرة لهذا القطاع، باعتباره الضامن الأساسي لبقاء الجماعة، وبالطبع يدخل المسار الأمني وتعزيز اليد الباطشة للجماعة في هذا الباب.

ثانيا: تكثيف التعبئة وعسكرة المجتمع

من خلال توسيع برامج التحشيد الثقافي والعسكري، خصوصا بين الشباب والنشء، بما يعزز الطابع الديني للمجتمع في مناطق سيطرته.

ثالثا: إعادة هيكلة القطاع الإداري بالجماعة

عبر إعادة تشكيل الحكومة وإجراء تغييرات اقتصادية وإدارية لاستكمال إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق تصور الجماعة الخاص للحكم والإدارة، وتجاوز البعد الامني.

ماذا عن الحرب الداخلية؟

ما لم يتحدث عنه الحوثي علَنا أو صراحة، هو ملف الحرب مع خصومه المحليين، إذ تتداخل رؤيته لهذا الملف ورغبته الجامحة في استئناف الحرب محليا، مع عوامل عدة، أهمها وضع الجماعة ومستوى جاهزيتها الشاملة للحرب، وليس فقط الجاهزية النارية والبشرية، وكذلك السياق الإقليمي ووضع المحور وأولويات طهران في العلاقات مع الإقليم.

والأهم، أن أي معركة للحوثي باتجاه مناطق الشرعية لن تكون سهلة، وليس هناك ضمانة بعدم الارتداد السلبي لأي تحرك، بعد متغيرات الشهر الماضي؛ وارتباك أوراق الجماعة جنوبا بعد جهود أمنية لسنوات، وهناك عوامل أخرى.. لكن جميعها -في تقديري- تدفع الجماعة للسير في اتجاه محاولة انتزاع أقصى ما يمكن من مكاسب خارطة الطريق خاصة في ما يتعلق الترتيبات الإنسانية والاقتصادية، بما يمكنها من إبعاد الحبل الاقتصادي والخدمي عن رقبتها، مع الإبقاء على الجاهزية العسكرية والتعبوية تحسبًا لأي تحوّل إقليمي مفاجئ قد يفتح نافذة جديدة للمغامرة أو التصعيد الداخلي.

ولكن، من غير المرجّح أن يبقى الحوثي متفرجا على خسارة الوضع السابق في عدن والمحافظات المحررة، والذي كان (مريحا) بالنسبة له. وبما أنه لا يستطيع خوض مواجهة عسكرية في الوضع الحالي وفقا للمؤشرات الآنفة، فإنه سيتجه -بزخم أكبر- إلى الاهتمام بـ «الخطة ب» من خلال التكيّف مع الواقع الجديد؛ ومحاولة تعطيل الاستقرار في عدن تحديداً، وإفشال جهود الحكومة والتحالف بقيادة السعودية، لإبقاء المشهد هشا وقابلا للانتكاس، وسيعتمد في ذلك على أدوات أمنية مباشرة وغير مباشرة مثل: الاغتيالات، وتوسيع التخادم مع خلايا من جماعات متطرفة، وتحفيز الفوضى عبر مسارات اجتماعية وإعلامية، واختراق الكتل العسكرية المتذمرة والالتحام بها، مع احتمال تقاطع هذا المسار مع أطراف إقليمية متضررة من فقدان نفوذها جنوبا.

وتشير هوية القيادات الحوثية المكلّفة بملف المحافظات المحررة إلى هذا التوجّه، إذ أُسند إلى شخصيات أمنية صلبة وغامضة مثل عبدالله العربجي، المتهم بتفجير منزل في رداع في مارس 2023، إضافة إلى أحمد خميس والشهاري والحمران والمهدي، ضمن فريق ظل أمني–عسكري.

وبين الرغبة الحوثية في استعادة زمام المبادرة ومواصلة مسار الصعود من جهة، والخشية من تكرار خسائر 2025 ومزيد من ضيق الخيارات من جهة أخرى، سيظل قرار الحرب لدى عبدالملك الحوثي مرهون بالتوازن الدقيق في ظل التعقيدات المحلية والإقليمية، وهو توازن أخفق فيه خلال العام الماضي.

المصدر: ديفانس لايند

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!